يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
34
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
للمقربين ، وهم السابقون ، ومن ضعف سلك الطريق الأدنى وهو الأوسط إلا أنه أبعد . وهو لأصحاب اليمين ، وهم المقتصدون ، وفي المؤمنين أقوياء وضعفاء ولينون وأشدّاء . وفي الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : المؤمن القوي أحب إلى اللّه من المؤمن الضعيف وفي كل خير . وقد ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قوما ومدحهم أنهم لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون . وذكر أنهم يدخلون الجنة بغير حساب . وقد نهى عن الكي في غير حديث وقال لرجل أراد أن يداوي أخاه إلا أنه مات من علته . فقال : أما لو برئ لقلت أبرأته ، لعلمه بما يهجس في بعض النفوس أن الشفاء والنفع من قبل الدواء وذلك من الشرك ، وكره المحققون بالتوحيد التداوي ، خشية دخول ذلك عليهم . وروي عن موسى عليه السلام أنه قال : يا ربّ ممن الدواء والشفاء ؟ قال : مني . قال : فما يصنع الأطباء ؟ قال : يأكلون أرزاقهم ، ويطيبون نفوس عبادي حتى يأتي شفائي أو قبضي . وقد كان ابن حنبل رضي اللّه عنه يقول : أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ؛ ترك التداوي من الأشربة وغيرها . واعتل عمران بن حصين رضي اللّه عنه فأشاروا عليه أن يكتوى فامتنع ، فلم يزالوا به وعزم عليه زياد بذلك ، وكان أميرا ، حتى اكتوى ، فكان يقول : كنت أبصر نورا وأسمع صوتا ، وأسمع تسليم الملائكة عليّ ، فلما اكتويت انقطع عني ذلك . وفي خبر : كانت الملائكة تزوره فيأنس بها حتى اكتوى . فكان يقول : اكتوينا كيات فو اللّه ما أفلحنا ولا أنجحنا . ثم تاب من ذلك وأناب إلى اللّه تعالى فردّ اللّه عليه ما كان يجد من أمر الملائكة . ومرض أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، فقيل له : لو دعونا لك طبيبا ، فقال : قد نظر إليّ الطبيب فقال : إني فعال لما أريد . وكذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم للرجل الذي قال : إني طبيب : أنت رفيق ، واللّه عز وجل هو الطبيب ، من رواية السلفي رحمه اللّه . وقيل لأبي الدرداء رضي اللّه عنه في مرضه : ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي . قيل : فما تشتهي ؟ قال : مغفرة ربي . قيل : أفلا ندعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني . انظر قوله : الطبيب أمرضني ، يعني اللّه عز وجل . وقيل لأبي ذر رضي اللّه عنه ، وقد رمدت عيناه : لو داويتهما . قال : إني عنهما لمشغول . قيل : فلو سألت اللّه أن يعافيك . قال : أسأله فيما هو أهمّ إليّ منهما . وقيل لأبي محمد : متى يصح للعبد التوكل ؟ قال : إذا دخل عليه الضر في جسمه والنقص في ماله فلم يلتفت إليه شغلا بحاله ، وينظر إلى قيام اللّه عليه . وقد كان أصاب الربيع بن